محمد أبو زهرة

111

المعجزة الكبرى القرآن

التمكين كان بإعطاء سلطان لهم في الأرض ، إذا استطاعوا القيام بحق التمكين ، فإنه يحتاج إلى قوى نفسية عالية وإدراك لمعنى العزة والكرامة ، ولم يمردوا على الذلة والمهانة . ثم يبين سبحانه عاقبة الظلم ، وأنه لم يدفع المحذور ، فقال تعالى : وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ . لقد كان فرعون وحده ، ووزيره وجنود معهما تابعين غير مستقلين في فكرة أو إرادة فهم ما كانوا يحذرون أن يدبر الناس ما ينتقضون به على حكمهما ، أو يقتلوا فرعون فقد أراهم رب العالمين ، فكان موت فرعون على ما قدره اللّه تعالى لموسى عليه السلام ومن معه ، وهكذا كل طاغية ، يطغى ويستبد ، ويرتكب الفجور في كل ناحية ، حذر أن تخرج خارجة ، وبعد أن يكون منه ما يكون من مثل ما فعل فرعون ، ثم تكون من بعد كلمة اللّه تعالى هي العليا ، ويقع المحذور في وقت لا يملك الرجوع ، كما قال فرعون ، وقد أدركه الغرق ، قال : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 90 ) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 91 ) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ( 92 ) . [ يونس : 90 - 92 ] 68 - وبعد ذلك البيان الذي حاولنا به الوصول إلى بعض أسرار المعاني القرآنية التي تعلو ولا يعلى عليها ، واليانعة الثمار الدانية القطوف في أعلاها ، والثروة الخصبة المملوءة حياة في أدناها ، كما قال البليغ العربي القرشي ، نريد أن نشير إشارة إلى ما وصل إليه تفكيرنا في إجمال ما سبق ، فنجد : أولا : اتساق العبارة في المقابلة بين العلو المصطنع والالتصاق بالأرض ، الذي يفيد مع هذه المقابلة اللفظية أنه سيطر على الأرض واستمكن فيها وتحكم حتى ساغ له أن يقول : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [ الزخرف : 51 ] . ثانيا : أن التعبير باستضعاف طائفة منهم فيه إشارة إلى أن الضعف ليس طبيعيا فطريا ، ولكنه يكون بالاستضعاف ، وأن كل من يراد على الضعف لا يستسلم فيستضعف ، بل يقاوم ويناضل ، فيموت عزيزا ، أو يمنحه اللّه تعالى القوة ، وأن الرضا بالذل يؤدى إلى الموت ، وطلب العزة يؤدى إلى الحياة ، وكما قال خليفة رسول اللّه أبو بكر رضى اللّه تعالى عنه : « اطلب الموت توهب لك الحياة » . وثالثا : أن الاستضعاف يؤدى إلى الموت لا محالة ، ويكون الموت على نحو لا كرامة فيه ، وصوره سبحانه وتعالى بقوله تعالى : يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ،